اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
183
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
ثم الليبيون والأفارقة عامة ، ويلي هذا الترك ، فسكان الهند والسند وأخيرا الصينيون ومعهم الكوريون . ومن الغريب أن توجد لديه فكرة وحدة الشعوب السامية وذلك قبل عهد طويل من ظهورها كنظرية علمية في أوروبا ؛ ولكن لا توجد لديه تسمية جامعة خاصة بهم . أما باقي الكتاب وهو ما يقرب من أربعة أخماسه فيغلب عليه الطابع التاريخي . وإن اتساع أفق المسعودي ليظهر بجلاء أيضا في مصنفه هذا وهو لا يقتصر على تاريخ العرب وحدهم بل يولى اهتماما كبيرا لتاريخ إيران القديمة ولوصف المقاطعات البيزنطية بل ولتاريخ الكنيسة المسيحية . - - ومن المستحيل إنكار ما يمتاز به المسعودي من تنوع النشاط العلمي وما يتصف به من موضوعية في الحكم على ما يتعلق بالشعوب والأديان ؛ فهو يسأل باهتمام ممثلى مختلف العقائد ويفحص بانتباه فائق كتبهم ويتعرف جيدا على آدابهم ، وكان موقفه محايد إزاء النصارى واليهود والصابئة . وفي أثناء تحرك القرامطة على بغداد اطلع المسعودي على تعاليمهم وكتبهم بل وحادث دعاتهم الذين رفضوا تعاليم أهل السنة وأخذوا على عاتقهم تفنيدها دون معرفة جيدة بها 14 . وإن تعدد نواحي اهتمامه لمدهش حقا فهو يجمع بشغف المعلومات عن اقتران البحر الأسود ببحر قزوين كما يجمعها أيضا حول موضوع : هل يمكن لوحيد القرن أن يمكث سبعة أعوام في بطن أمه ؟ وفي الإسكندرية يبحث بالكثير من الاهتمام انهيار منارة فاروس Pharos المشهورة في زلزال عام 344 ه - 955 ؛ وفي سجستان يورد أول خبر معروف عن طواحين الهواء 15 ؛ وفي المنصورة بالهند يراقب حياة ثمانين فيلا ملكيا . وإنه لمما يدعو إلى الدهشة تمكنه من جمع وتحليل كل هذه المادة الضخمة . غير أن منهجه في التبويب لا يرقى إلى المستوى المطلوب فقد كان من الصعب عليه أن يأخذ نفسه باتباع منطق صارم سواء في التفكير أو التعبير . وقد كان يزاول عمله بعجلة فائقة بحيث أضحى من العسير عليه أن يكون دائما في حالة تسمح له بتحليل المادة المتنوعة التي جمعها من مختلف المصادر عن شعوب نائية . وقد أبان دوزى Dozy فيما يتعلق بالأندلس أنه لم يكن واضحا بالنسبة للمسعودي أحيانا الفرق بين أسماء الأعلام والأسماء العامة 16 . ومهما يكن من شئ فإن المسعودي يقف على قمة المعارف الجغرافية لعصره وكان دائما يتطلع إلى الحصول على أحدث المعلومات عن البلاد التي لم يزرها بنفسه . وطريقته في التأليف تعتمد على العرض الأدبي لا على الإسناد ؛ ومن ثم فإنه نادرا ما يشير إلى مصادره . وما من شك في أن مجال اطلاعه وقراءته كان واسعا ، ولكن هذا لا يبدو لنا جليا ، سواء عن قصد أو غير قصد ، خاصة في معطياته الأثنوغرافية ، وهو شئ يعتبر بالنسبة لنا خسارة لا تعوض . وهو يشير بإيجاز إلى السابقين له في مضمار الجغرافيا وفي حدود معلوماتنا عنهم ، فنلتقى عنده بأسماء الممثلين الرئيسيين لنمط المسالك والممالك 17 كالسرخسى والجيهانى الذي لم يصلنا مصنفه وابن خرداذبه المعروف لنا جيدا . وهنا يظهر لنا بجلاء سعة أفق المسعودي فهو لا يخشى أن يذكر أسماء الشخصيات التي كانت